ابراهيم بن عمر البقاعي

409

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

كثرة ما يذكره بأن جعله ظرفهم ، فقال من غير ذكر لسرير الملك الذي حبا به المقربين من الملك ، ولم يزد على ذلك المأكول وما معه بما يتصور للبهائم : فِي سِدْرٍ أي شجر نبق متدلي الأغصان من شدة حمله ، من سدر الشعر - إذا سدله مَخْضُودٍ * أي هو مع أنه لا شوك له ولا عجم بحيث تنثني أغصانه من شدة الحمل ، من خضد الشوك : قطعه ، والغصن : ثناه وهو رطب ، وفي ذكر هذا تنبيه على أن كل ما لا نفع فيه أو فيه نوع أذى له في الجنة وجود كريم لأن الجنة إنما خلقت للنعيم . ولما ذكر ما يطلع في الجبال والأماكن المعطشة والرمال ، أتبعه ما لا يطلع إلا على المياه دلالة على أن أماكنهم في غاية السهولة والري فقال : وَطَلْحٍ أي شجر موز أو نخل ، وقال الحسن : شجر له ظل بارد طيب الرائحة وقال الفراء وأبو عبيدة : شجر عظام لها شوك ، وقيل : هو أم غيلان ، وله نور كثير ، ويحكى عن أبي تراب النخشبي أنه كان سائرا مع قوم من الصوفية على قدم التوكل ، فجاعوا أياما فقال : أتريدون أن تأكلوا ، قالوا : نعم ، فضرب بيده على شجرة أم غيلان فإذا عليها عراجين موز ، فأكلوا إلا شابا منهم ، فقال : لا آكل ولا أصحبك بعدها ، لأني كنت أسير بلا معلوم ، وقد صرت أنت الآن معلومي ، كلما جعت التفتت نفسي إليك . مَنْضُودٍ * أي منظوم بالحمل من أعلاه إلى أسفله متراكم يتراكب بعضه على بعض على ترتيب هو في غاية الإعجاب ، قال في القاموس : الطلح : شجر عظيم ، والطلع : والموز ، والطلع من النخل : شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود ، والطرف محدد ، أو ما يبدو من ثمرته أول ظهورها . ولما ذكر ما لا يكون إلا في البلاد الحارة قال : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * أي مستوعب للزمان والمكان فهو دائم الاستمداد كما بين الإسفار وطلوع الشمس لا فناء له ولا نهاية . ولما كان ما ذكر من الري لا يستلزم الجري قال : وَماءٍ مَسْكُوبٍ * أي جار في منازلهم من غير أخدود ولا يحتاجون فيه إلى جلب من الأماكن البعيدة ، ولا الإدلاء في بئر كما لأهل البوادي . ولما ذكر ما تقدم ، عم بقوله : وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * أي أجناسها وأنواعها وأشخاصها . ولما كانت لا تكون عندنا إلا في أوقات يسيرة ، بين أن أمر الجنة على غير ذلك فقال : لا مَقْطُوعَةٍ ولما كانت في الدنيا قد يعز التوصل إليها مع وجودها لشيء من الأشياء أقله صعود الشجرة أو التحجز بجدار أو غيره قال : وَلا مَمْنُوعَةٍ * ولما كان التفكه لا يكمل الالتذاذ به إلا مع الراحة قال : وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * أي هي رفيعة القدر وعالية بالفعل لكثرة الحشو ولتراكم بعضها على بعض ولأنها على السرر ، وروى